كمال الدين دميري
291
حياة الحيوان الكبرى
الأخيار حكاية ويتكلم بما لا يريد به أمرا ولا نهيا ، ولا أن يجعله أصلا في دينه ، وذلك معلوم من فعله ، مشهور من قوله . وهذا نظير ما اتفق في قوله « 1 » صلى اللَّه عليه وسلم « إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه » . وفي الصحيحين لكن قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها إنما مر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على يهودية ، وهم يبكون عليها فقال عليه الصلاة والسلام « إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها عليها » . وقال مالك وطائفة : قوله صلى اللَّه عليه وسلم « الشؤم في ثلاث » الحديث . على ظاهره ، فإن الدار قد يجعل اللَّه سكناها سببا للضرر والهلاك ، وكذلك المرأة والفرس والخادم ، يجعل اللَّه الهلاك أو الضرر عند وجودهم بقضاء اللَّه وقدره . وقال ابن القاسم : سئل مالك عن هذا ، فقال : كم من دار سكنها قوم فهلكوا ، ثم سكنها آخرون فهلكوا . يعني أنه عام على ظاهره . وقال الخطابي : وكثيرون هو في معنى الاستثناء من الطيرة ، أي أن الطيرة منهي عنها ، إلا أن يكون له دار يكره سكناها ، أو امرأة يكره صحبتها ، أو فرس أو خادم يكره إقامتهما ، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه ، وطلاق المرأة . وقال آخرون : شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم ، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب ، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها . وقيل : حرانها وغلاء ثمنها ، وشؤم الخادم سوى خلقه وقلة تعهده لما فرض إليه ، وقيل : المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة . واعترض بعض الملحدة بحديث « لا طيرة » على هذا ، وأجاب ابن قتيبة وغيره بأن هذا مخصوص من حديث لا طيرة ، أي لا طيرة إلا في هذه الثلاثة . قال الحافظ الدمياطي : ومن أغرب ما وقع لي في تأويله ، ما رويناه بالإسناد الصحيح عن يوسف بن موسى القطان ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري عن سالم ، عن أبيه رضي اللَّه تعالى عنهما ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال « 2 » : « البركة في ثلاث : في الفرس والمرأة والدر » . قال يوسف : سألت سفيان بن عيينة عن معنى هذا الحديث ، فقال سفيان : سألت عنه الزهري ، فقال الزهري : سألت عنه سالما ، فقال سالم : سألت عنه أبي عبد اللَّه بن عمر ، فقال عبد اللَّه بن عمر : سألت عنه النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : « إذا كان الفرس ضروبا فهو مشؤوم ، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجا غير زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشؤومة ، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد فلا يسمع فيها الأذان والإقامة فهي مشؤومة ، وإذا كن بغير هذه الصفات فهن مباركات » . وفي الموطأ أن رجلا أخبر النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنهم سكنوا دارا وعددهم كثير ، ومالهم وافر فقل العدد وذهب المال فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « دعوها ذميمة » « 3 » . وأمرهم صلى اللَّه عليه وسلم بالخروج منها ، لاعتقادهم ذلك فيها ، وظنهم أن الذهاب للعدد والنفاد للمال ، إنما كان منها ، وليس كما ظنوا ولكن الباري سبحانه وتعالى جعل ذلك وقتا لظهور قضائه وقدره ، فيجهل الخلق ذلك ، فينسبونه إلى الجماد الذي لا ينفع ولا يضر ، وهذا كقوله « 4 » عليه الصلاة والسلام : « لا عدوى ولا طيرة ولا يورد ممرض على مصح » . لأن اللَّه تعالى يخلق الجرب في الصحيح فيعتقد المصح أن ذلك من
--> « 1 » رواه البخاري : جنائز : 32 . ومسلم : جنائز 16 . « 2 » رواه ابن ماجة : تجارات : 63 . « 3 » رواه أبو داود : 24 . الموطأ : استئذان 23 . « 4 » رواه البخاري : طب 19 . ومسلم : سلام 102 .